خطأ الوهابية في تقرير توحيد الربوبية (غيث الغالبي)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: خطأ الوهابية في تقرير توحيد الربوبية (غيث الغالبي)

مُساهمة من طرف الموثق في الجمعة ديسمبر 31, 2010 11:14 pm

السبب الثاني ـ الدال على بطلان اعتقاد أنهم وحدوا في الربوبية : إنكارهم لبعض أفعال الله تعالى:
1ـ فقد جاءت النصوص الكثيرة التي بيّنت أنهم أنكروا البعث وهو فعل من أفعال الرب جل وعلا وإنكارهم لكل أفعال الله تعالى التي بعد البعث من باب أولى كالحشر ونشر الصحف ،والجزاء والحساب ،وغير ذلك من أفعاله جل جلاله فجميع هذه الأفعال لله تعالى يكفرون بها ،فهم إذن لم يُقّروا لله بأفعاله بل كفروا بها كما قال الله تعالى {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ..}وقال تعالى ((وضرب لنا مثلاُ ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم ))قال العاص بن وائل وقد فت عظماً قد أرم [ يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا ]؟!قال ((نعم ويدخلك النار)) وقوله تعالى {بل قالوا مثل ما قال الأوّلون *قالوا أءذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أءنا لمبعوثون *لقد وعدنا نحن وءاباؤناهذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين}المؤمنون 80ـ 83وقوله تعالى{أءذا كنا عظاماً نخرة ...)وفي سورة الواقعة وسورة ق وغيرها من سور القرآن الكريم كثير من الآيات الدالة على ذلك .
فعذاب القبر ،والبعث ،والنشور ونشر الصحف ووزن الأعمال ،والعرض ،والتعذيب بالنار والإنعام بالجنة كلها ينكرونها بلا شك .وهي من أفعال الله تعالى. فكيف يقال أنهم موحدون توحيد الربوبية ؟!
2ـ ومن الأدلة :على كفرهم في توحيد الربوبية مارواه الإمام البخاري والإمام مسلم عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال : ( هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ) ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ( قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) . ولهما من حديث ابن عباس بمعناه وهي سبب نزول قول الله تعالى { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون }.وعليه تعلم أنهم يعتقدون أن الأنواء ترزقهم الغيث فأين هذا من الشهادة لهم بأنهم أفردوا الله بأفعاله؟!ولم يكن ذلك على جهة الدلائل والعلامات التي يستدلون بها على نزول المطر وإنما كان على اعتقاد استقلالها عن الله تعالى في ذلك أو على الأقل أنها شريكة لله تعالى وكلاهما كفر .ولو كان فقط لاعتقاد أن الأنواء علامات على نزول الغيث لكان أصحاب الأرصاد الجوية من المسلمين كفاراً وهذا لا يقوله من عنده أدنى فهم للعقيدة.
3ـ ومن الأدلة كذلك على كفرهم :اعتقادهم أن التمائم تدفع الضر لا على وجه السببية بل على جهة الاستقلال أو الشراكة لله تعالى. أما دليل ذلك: فقوله صلى الله عليه وسلم (( من تعلق تميمة فقد أشرك) ، ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) .ولا وجه لصرف ذلك إلى الشرك الأصغر إلا ظن من يدّعون السلفية أن الكفار وحدوا الله في أفعاله ،وهذا باطل ،بل هم مشركون في ذلك الشرك الأكبر .ولذا فالنصوص الشرعية تبقى على ظاهرها حتى يرد ما يصرفها عن ظاهرها من أدلة أخرى . قال ابن قتيبة في غريب الحديث :التميمة خرزة كانت الجاهلية تعلقها في العنق ،وفي العضد تتوقى بها وتظن أنها تدفع عن المرء العاهات ،وكان بعضهم يظن أنها تدفع المنية حيناً. ويدلك على ذلك قول الشاعر [ من الطويل ]
إذا مات لم تفلح مزينة بعده * فنوطي عليه يا مزين التمائما. انتهى كلامه

وقال الإمام ابن الأثير الجزري رحمه الله :إنما جعلها شركاً لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم ،فطلبوا دفع الأذى من غير الله تعالى الذي هو دافعه .قال :فكان المعنى في هذا إن علقها معتقداً أنها تضر وتنفع كشريك لله فهو شرك مخرج من الملة . انتهى
وقال الإمام ابن عبدالبر وهذا كله تحذير ومنع مما كان أهل الجاهلية يصنعون من تعليق تمائم والقلائد يظنون أنها تقيهم وتصرف البلاء عنهم وذلك لا يصرفه إلا الله عز وجل وهو المعافي والمبتلي لا شريك له فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كانوا يصنعون من ذلك في جاهليتهم .أ ـ هـ من كتاب التمهيد17/ 161
قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الطيرة : وإنما جعل ذلك شركاً لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعاً أو يدفع ضراً فكأنهم أشركوه مع الله تعالى . انتهى من فتح الباري10/213
وجاء في الملل والنحل للشهرستاني ج2ص248قال :كان قصي بن كلاب
يقول :أرباً واحداً أم ألف رب :أدين إذا تقسمت الأمور
تركت اللات والعزى جميعاً :كذلك يفعل الرجل الصبور .
وقيل هي لزيد بن عمرو بن نفيل . فتأمل في قوله أم ألف رباً فستجد أنهم يعتقدون التصرف والتدبير والعبادة لأرباب لالرب واحد .

المبحث الثاني:التلازم بين اعتقادالربوبية واستحقاق العبادة:
1ـ من الخطأ التفريق بين الرب والإله في المعنى الشرعي ،لأن كلاهما وصف لا يصح إطلاقه بحق إلا على الله تعالى ،فالله هو الرب وهو الإله ولا يجوز أن يقال أن الكفار لم يعددون الأرباب وإنما عددوا الآلهة ،لأننا نعلم يقيناً من الأدلة الشرعية أنهم يطلقون الربوبية والإلهية على معبوداتهم كما في كثير من النصوص الشرعية. وإذاكان هناك فرق في اللغة بين معنى كلمة الرب ومعنى كلمة الإله ؛إلا أنهما في الاستعمال الشرعي لايطلقان بحق إلا على الله تعالى فليس هناك فرق في النصوص الشرعية بينهما وهي مدار البحث، وليس مداره اللغة فقط.فإن الرب والإله تطلق شرعاً على الإله الحق وهو الله جل جلاله كما أن لفظ الرب ولفظ الإله تطلق أيضاً على الأرباب الباطلة .والفرق الجوهري في ذلك أن إطلاقها على الله تعالى إطلاق مطابق للواقع حقيقة لأنه لارب ولا إله غيره .واما إطلاقها على الأرباب غيره فهو إطلاق موافق لما يزعمونه وإن كان غير موافق للحقيقة القاطعة بأنه مامن إله إلا الله جل جلاله وأن الآلهة والأرباب المزعومة كلها باطلة فليست بآلهة حقيقة ولا هي أرباب حقيقة ؛وإنما هي مزعومة .فتأمل في قوله تعالى ((ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)) ونحوها مما ورد في القرآن الكريم ((أجعل الآلهة إلهاً واحداً ))ولذا فمن فرقوا بينهما في الاصطلاح الشرعي قد رتبوا على هذا الفهم أحكاماً باطلة أخرى حتى قالوا كما نقل الدكتور شمس الدين السلفي في رسالته الدكتوراة ما نصه :وأما من قال :لا خالق إلا الله أولا رازق إلا الله أو لارب إلا الله ..فلا يكون مسلماً ولا يكون من أهل دار السلام.انتهى كلامه من رسالته المذكورة سابقاً 1/144.وأقول إن قوله: من قال لارب إلا الله لا يكون بها مسلماً كلام باطل بلا ريب ؛لأننا نعلم يقيناً أن الله استنطق بها الناس في الميثاق فقال ((ألست بربكم )) قالوا بلى ولولا أنها كافية في الإقرار ما استنطقهم بذلك ولما اكتفى بها دون غيرها من الألفاظ.وكذلك بها يكون السؤال في القبر كما جاء في الحديث المعلوم للأمة ((من ربك)) فالمؤمن يقول ربي الله ، فكيف يقال بعد ذلك أنها لا تنجي ؟!
وقد قالوا:إن لارب إلا الله لا تنفع قائلها ولا تدخله في الإسلام ؛لأنه ليس فيها نفي استحقاق العبادة عن غير الله تعالى ،اما لا إله إلا الله فإن فيها نفي استحقاق العبادة عن غير الله تعالى.فجواب ذلك :إن كان قول لا رب إلا الله لاينفع في إنجاء قائلها ودخوله الإسلام كما تقولون فكذلك يلزم منه قطعاً وفق فهمكم أن قول لا إله إلا الله لا ينفعه أيضاً لأنه ليس فيها إلا نفي استحقاق العبادة لغير الله وليس فيها نفي خصائص الربوبية من الأفعال عن غير الله تعالى .فليس فيها نفي إيجاد الخلق عن غير الله وليس فيها نفي البعث والحساب والنشور والإحياء وغيرها من الأفعال .فلولا أن كلمة لا رب إلا الله ،وكلمة ربي الله ونحوها من الألفاظ يتحقق بها التوحيد شرعاً كما يتحقق بكلمة لا إله إلا الله لما استنطق الله بها الناس في الميثاق فقال لهم جل جلاله ((وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ،قالوا بلى )) ولما كانت المنجية عند الإجابة بها في القبر حين يسأل بها فيقال للميت ((من ربك )) فالمؤمن يثبته الله تعالى فيقول ((ربي الله )) والحق الواضح البين من النصوص الشرعية أن كلمة ربي الله وحده لا شريك له أو لا رب إلا الله وحده أو كلمة لا إله إلا الله كلها تتضمن الإقرار المؤدي إلى النجاة بإذن الله تعالى .
2ـ ومن الخطأ أيضاً تصور وجود من يعتقد أن الله لاشريك له في أي فعل من الأفعال في الكون إيجاداً وإمداداً وغير مستقل عن الله في ذلك ومع ذلك يعبده من دون الله تعالى لأنها لا يمكن عادة أن يعبده إلا إذا كان يصرف له شيء من خصائص الربوبية فحين ذلك سيعبده لأنه يرجو منه النفع ودفع الضر.!
وسبب هذه الشبهة هو اعتقادهم أن الكفار قد وحّدوا الله بأفعاله .!
وقد سبق بيان بطلان هذه الشبهة بالأدلة الواضحة كما في المبحث الأول .وعليه فلا يمكن الانفكاك بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية .أي أن من اعتقد أنه ليس لغير الله شيء من التصرف في الكون استقلالاً عن الله أو كشريك لله تعالى فلن يعبد غير الله تعالى لأنه لافائدة يرجوها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر لأن الإله الوحيد المتصرف في الكون لا يمكن مدافعته ولا يقبل أن يكون له شريك في ملكه .
ومن أسباب تصورهم لذلك ما يلي :
أولاً: فهمهم لقوله تعالى ((مانعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )) فتنبهوا لوجود العبادة للأصنام ولم يتنبهوا لكون التقريب نوع من التصرف والتدبير الذي كان الكفار يدّعونه لأصناهم ،وهو لا ينفك عن اعتقادهم أن لها نوع تصرف في الكون كشركاء لله تعالى أو استقلالاً عن الله تعالى كما مر بيانه وهذا مرجعه إلى أفعال الرب جل جلاله.
ثانياً: كما أنهم لم يلتفتوا إلى الأدلة الأخرى الكثيرة الدالة على اعتقاد الكفار بالربوبية في معبوداتهم . ومعلوم عندأهل العلم أنه لا يجوز الحكم في مسائل الفروع إلا بعد جمع جميع الأدلة في المسألة ،فكيف بالعقائد؟!!
فالحق الذي لا شك فيه هو أنه لا يمكن الانفكاك بين الربوبية والألوهية ،ولايمكن أن يوجد من يؤمن بأن ـ الله جل جلاله ـ هو الرب المتصرف في الكون وحده لا شريك له ثم يعبد غيره سبحانه وتعالى .
ولذا جاءت النصوص الشرعية الكثيرة التي تطلق على المعبود اللفظين معاً تارة (الإله )وتارة (الرب )ومن أمثلة ذلك:
1ـ قال تعالى ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله )) فبدأ الآية بالنهي عن عبادة غير الله ، وآخرها بمنع اتخاذ الأرباب من دون الله لأن الأمران متلازمان فإذا اعتقدوا ربوبيتها عبدوها.
2ـ قال تعالى ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون))التوبة 31
ومعلوم أن ربوبية الأحبار والرهبان هو في حكمهم الذي يحكمون به حيث يحرمون الحلال الذي أحل الله ويحلون الحرام الذي حرم الله والحكم فعل من أفعال الله تعالى داخل في الربوبية وعبادة الناس لهؤلاء هو بطاعتهم في ذلك فتأمل كيف ترتبت العبادة لهؤلاء الضلال على منازعتهم لله في فعل من أفعاله وهو الحكم .
3ـ وفي قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام قال تعالى ((قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين *قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين *قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين *قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن ..))الأنبياء 35ـ 56
فالرب هو المعبود والمعبود هو الرب لا إنفكاك في ذلك.
4ـ وفي ذكر محاجة سيدنا موسى لفرعون قال الله تعالى ((قال ربكم ورب آبائكم الأولين *قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون *قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون *قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين )) فالرب هو الإله ولا فرق في ذلك .
5ـ وقوله تعالى في استنطاق الميثاق ((ألست بربكم قالوا بلى ))
6ـ وقال تعالى في قصة السحرة ((فألقى السحرة ساجدين *قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون)) كما في سورة الشعراء 46
وأيضاً قال تعالى ((وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع على إله موسى ))
القصص 38
فالرب هو الإله والإله هو الرب جل جلاله .فمن أقر بأن الرب جل جلاله لا يوجد معه رب سواه فلن يعبد غيره.
8ـ وفي سؤال القبر يقول الملكان((من ربك )) .ولذا فتجد الكفار لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله .قالوا ((أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب )) وقالوا أيضاً ((أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون)) هكذا كانوا يفهمون أن الرب هو الإله والإله هو الرب ولذا قال سيدنا يوسف عليه السلام ((ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ،ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل بها من سلطان ..)) فتأمل كيف الاقتران بين كونهم أرباباً ،وأنهم يعبدونها .فالتلازم بينهما واضح بلا ريب.
إذا علمنا ذلك علمنا قطعاً المسائل التالية :
1ـ الخطأ في الخلط بين مسألة الإيمان بوجود الله تعالى ومسألة توحيد الربوبية.فمن يقرر أن توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله من الغلط أن يقرر أنه لم يغلط فيه إلا القليل من الشر كفرعون والدهرية !وقد مر بيان أن أكثر الكفار قد كفروا بأفعال الله إما باعتقاد لشريك له أو الجحد أو اعتقاد استقلال غير الله بذلك.
2ـ الخطأ في اعتقاد عدم التلازم بين مفهوم الإله والرب شرعاً لأن كلاهما للدلالة على الله وحده لا شريك له .
3ـ الخطأ في تصور الانفكاك بين الإشراك في العبادة والإشراك في الربوبية .لأنه من المستبعد عبادة الإنسان لشيء لا يعتقد أنه شريك لله في شيء من أفعال الربوبية أو مستقل عن الله تعالى في ذلك.
4ـ الخطأ في دعوى أن الرسل عليهم السلام ما ارسلوا إلا لتحقيق توحيد الألوهية لأن الناس موحدون في الربوبية .! وسيأتي مزيد بيان للأخطاء الأخرى التي قامت على الخطأ في هذه المسائل فكن على ذكر من ذلك لأنه أساس فهم بقية المسائل.
هذا والله الموفق وحده لا شريك له وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه:غيث بن عبدالله الغالبي

الموثق
مشرف

عدد الرسائل : 258
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

خطأ الوهابية في تقرير توحيد الربوبية (غيث الغالبي)

مُساهمة من طرف الموثق في الجمعة ديسمبر 31, 2010 11:11 pm

خطأ الوهابية في تقرير توحيد الربوبية (غيث الغالبي)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أما بعد:
أذكر هنا مسألة مهمة في العقيدة الإسلامية ،وهي مسألة أن كفار قريش كانوا موحدين توحيد الربوبية وإنما شركهم فقط في توحيد الألوهية .!
وسأبدأ بعون الله تعالى في مناقشة هذه المسألة وسأذكر مسائل أخرى لها علاقة بصلب المسألة .
المسألة الأولى :من الخطأ الواضح المبين أن يخلط طالب العلم بين مسألة الإيمان بوجود الله تعالى ومسألة توحيد الربوبية فسأبين أولاً مسألة الإيمان بوجودالله تعالى .حيث لم ينكر وجود الله ـ جل جلاله ـ إلا القليل من الناس كالدهرية الذين قال الله تعالى عنهم في كتابه الكريم ((وقالوا ما هي إلاحياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر )) وكالملحدين الماديين الذين يقولون :لا إله والحياة مادة.وكذلك فرعون الذي قال الله تعالى في شأنه((فكذب وعصى *ثم أدبر يسعى فحشر فنادى *فقال أنا ربكم الأعلى )) وقال ((ماعلمت لكم من إله غيري)) فجحد وجود الله جل جلاله وأدعى أنه هو الرب رغم أنه يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب كما قال تعالى ((وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ..) ولا شك أن القرآن الكريم ذكر هذا النوع من أنواع الكفر وتناول تفنيده بالحجج المستفيضة والأساليب المفيدة التي تبناها الدعاة من المسلمين وعلى رأسهم الرسل عليهم السلام ثم من سار على نهجهم من دعاة المسلمين .واستفاد منها علماء الإسلام في دعوة الملحدين الماركسيين ونحوهم في زماننا .وإن كان هذا النوع من الكفر هو أقل في الوقوع من غيره إلا أن هذا لا يعني عدم دخوله في دعوة الرسل عليهم السلام أو عدم تناول القرآن الكريم له . فالإيمان بوجود الله مسألة لوحدها ،ومن ينكر وجود الله لابد أن ينكر أفعاله ،إذا كيف يفعل وهو سبحانه عدم في اعتقادهم .!
المسألة الثانية : توحيد الربوبية :التوحيد هو الإفراد ،والرب في لغة العرب له ثلاثة معاني ذكرها الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره لسورة الفاتحة 1/86وهي :السيد المطاع ،والمصلح للشيء ،والمالك للشيء . ثم قال الإمام ابن جرير فربنا جل ثناؤه السيد الذي لاشبه له ولا مثل له في سؤدده،والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه ،والمالك الذي له الخلق والأمر. فإذن هذا معنى الرب .حين نقول رب العالمين فهو له السيادة المطلقة ،وهو المالك لهم وهو مربيهم أي مصلحهم في كل شيء.
وتوحيد الربوبية اصطلاحاً عند من يقول به :هو إفراد الله تعالى بأفعاله . ومن الأمثلة على أفعاله الخلق والرزق والتدبير والتصرف في المخلوقات ونحو ذلك من أفعاله. فأغلب أهل الشرك يؤمنون بوجود الله تعالى وهذا بخلاف من ينكر وجود المولى عز وجل ،وهذا مر بيانه في المسألة الأولى .
واما توحيده بأفعاله تعالى فقد تبنوا فيها اعتقادين ضالين :
الضلال الأول:هو الإقرار ببعض أفعال الله تعالى ولكن جعلوا له فيها شركاء.
الضلال الثاني :هو إنكار بعض أفعال الله كما سيتضح الآن إن شاء الله تعالى.
والخطأ الحاصل في هذه المسألة هو في اعتقاد أن المشركين قد وحدوا الله في الربوبية أي في أفعاله جل جلاله. يقول الدكتور شمس الدين السلفي في رسالة الدكتوره الصادرة من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة جهود علماء الحنفية مردداً هذه الخطأ ما نصه :مع أن توحيد الربوبية لم ينازع فيه أمثال أبي جهل من صناديد الكفرة والمشركين .انتهى 1/96
ويقول أيضاً في نفس الرسالة:فإن توحيد الربوبية لا خلاف فيه للمشركين.انتهى 1/116 ويقول أيضاً : فعلم أن الرسل لم ترسل لتحقيق توحيد الربوبية ؛وإنما أرسلت لتحقيق الألوهية والدعوة إليه. انتهى كلامه 1/129وكل هذا الكلام ترديد لهذا الغلط الدارج في كثير من المساجد والجامعات والمعاهد والمدارس وهو شائع ذائع ،وسيتبين إن شاء الله الحق بوضوح تام.
فأقول:لا شك أن أهل الشرك أقروا لله تعالى ببعض أفعاله جل جلاله كما ما ورد في بعض الآيات ولكنهم لم يفردوه بذلك ،ومن الآيات الدالة على إقرارهم ببعض أفعال الله قول الله تعالى{قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون *سيقولون لله قل أفلا تذكرون *قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم *سيقولون لله قل أفلا تتقون ...}وهي من سورة المؤمنون من آية 84 إلى 87ونحوها من الآيات الدالة على اعتراف الكفار ببعض أفعال الله تعالى .وهذا أمر لاشك فيه.
وأما دعوى أنهم أفردوا الله تعالى بالأفعال وأنهم أقروا بتوحيد الربوبية ولم يقع الكفر فيه ولذلك لم تتركز دعوة الرسل عليه .!فهذا الكلام باطل بلا ريب لسببين:
السبب الأول:أن النصوص الشرعية دلت دلالة واضحة أنهم كانوا يشركون في ذلك ويعتقدون في آلهتهم أنهم شركاء لله تعالى في بعض الأفعال .
السبب الثاني:أن النصوص الشرعية الكثيرة قد دلت دلالة قاطعة على أنهم كفروا ببعض أفعال الله تعالى ولذا فلا يصح مايدعيه بعض المسلمين من أن الكفار لم يشركوا في توحيد الربوبية .وسأبدأ في بيان ذلك بحول الله وقوته .
أما وقوعهم في شرك الربوبية فيدل عليه الأدلة التالية:
الدليل الأول: بإكمال الآيات السابقة حيث قال الله تعالى {قل من بيده ملكوت كل
شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون *سيقولون لله قل فأنى تسحرون *بل أتينهم بالحق وإنهم لكاذبون *ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كلُ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون *عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون}وهذه الآيات من سورة المؤمنون من آية 88ـ إلى 92فإن الآيات الكريمة بيّنت أنهم مقرون لله تعالى بهذه الأفعال المذكورة ولكن وضّحت شركهم في ذلك حيث ذكر الله تعالى أنهم كاذبون في دعواهم أن لله ولد سبحانه ،وكذلك دعواهم أن معه إله فقال تعالى ((وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ))فلولا أنهم يعتقدون أن الإله متصرف كشريك لله تعالى لما ذكر لهم هذه الحجج فلوكان معه إله ـ كما يزعم الكفار ـ لانفرد كل إله بخلقه الذين خلقهم ،ولحصل النزاع وطلب العلو فيما بينهم ولما انتظم الوجود. فلولا أنهم يعتقدون وجود شركاء لله سبحانه في ذلك لما كان هناك أي وجه لذكر الاستدلال ،ولكان جوابهم أننا لم ندّعي لهم أي فعل يشاركون الله فيه؛بل قلنا أن الله لاشريك له في ذلك .فيكون إيراد ذلك عليهم من العبث الذي ينزه الله جل جلاله عنه.فالتلازم بين عبادتهم للأصنام وبين اعتقاد أنها شريكة لله تعالى في شيء من الإيجاد والتدبير غير منفك .ولذا فكما علمنا من القرآن الكريم أن الكفار مقرون بنسبة بعض الأفعال لله تعالى ،كذلك نعلم من دلائل آيات القرآن الكريم أن الله تعالى أورد الآيات الدالة على أنهم لا يفردونه وحده بل يدّعون أن معه شركاء في ذلك.وسيأتي المزيد من الأدلة إن شاء الله تعالى.فلو لم يسلّم الإنسان لهذا الدليل وتمسك بكون المشركين أقروا بأنه لا شريك لله في إيجاد الخلق لوجود نقول عن بعض الأئمة تنص على ذلك فلا بأس أن نتجاوز هذه الجزئية إلى التأمل في الأدلة الأخرى التي تدل على أن الكفار لم يقروا بتوحيد الله بأفعاله ،لأن القصد هو طلب الحق لا مجرد الخصام،وسيأتي من الأدلة ما تقر به عين طالب الحق بإذن الله تعالى.
الدليل الثاني: من الآيات الدالة على وجود الشرك في توحيد الربوبية قوله تعالى {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون }وهذه الآية تبين أنهم يعتقدون أن الهتهم ترزق ،إذ لا يصلح أن يقال لمن يعتقد أن الرزق بيد الله وحده لا شريك له ،وأن الآلهة ليست إلا للعبادة فقط دون وجود شرك في توحيد الربوبية ! { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق} لأن رد ذلك سيكون واضحاً إذ سيقولون :نحن نعلم أن الله هو المالك للرزق وحده وأن الآلهة لا تملكه فأصبحت الدعوة إلى ذلك من العبث .والله منزه عن ذلك .فدل بالجمع بين هذه الآيات وبين الآيات الأخرى التي يقرون بأن الله يرزق أنهم يعتقدون أن آلهتهم شركاء في ذلك ،لأنها تملك ذلك كما أن الله يملك ذلك في اعتقادهم الكفري.فهم لايجحدون كون الله يملك الرزق ،ولكنهم لا يفردونه بذلك بل يعتقدون أن له شركاء في ذلك.وهذا واضح جلي بأدنى تدبر .
فأين توحيد الربوبية الذين يقال أنهم وحدوا الله به؟!
الدليل الثالث: ومن الآيات أيضاً الدالة على وجود الشرك في توحيد الربوبية قول الله تعالى {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا}سورة مريم 81فالآية قطعية الدلالة في أنهم عبدوا آلهتهم لأنهم يعتقدون أنها تحقق لهم العز والنصر ،وهذا فعل من أفعال الربوبية ،ولذا عبدوهم رجاء هذا العز .فكيف يقال أن الكفار لم يشركوا في الربوبية ؟!
الدليل الرابع: ومنها قول الله تعالى {أليس الله بكاف عبده ويخوِّفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد ،ومن يهد الله فماله من مُضلٍّ أليس الله بعزيز ذي انتقام }ووجه الاستدلال بالآية أنها تصّرح بأن المشركين يخّوفون الرسول صلى الله عليه وسلم بآلهتهم لاعتقادهم أن لها القدرة على الضر والنفع ،قال الإمام البغوي في تفسيره للآية :وذلك أنهم خّوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة معاداة الأوثان ،وقالوا لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون . انتهى كلام البغوي انظرتفسير البغوي 4/69
فكلامهم صريح بقدرة آلهتهم على الإضرار وذلك فعل من أفعال الربوبية الذي أشركوا فيه .
الدليل الخامس: ومن الأدلة قول الله تعالى {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون (55) }قال ابن جرير الطبري في تفسيره : وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قول قوم هود : أنهم قالوا له، إذ نصح لهم ودعاهم إلى توحيد الله وتصديقه، وخلع الأوثان والبراءة منها: لا نترك عبادة آلهتنا، وما نقول إلا أن الذي حملك على ذمها والنهي عن عبادتها ، أنه أصابك منها خبل من جنون . انتهى كلامه رحمه الله . إذن فهم يعتقدون أن لها القدرة على أن تصيبه بالمرض والجنون وهذا شرك بالله
في الربوبية لأنه لا يضر ،ولا ينفع حقيقة إلا الله جل جلاله. وهذا فيه تذكير بأنهم أشركوا في الربوبية ،ولم يوحّدوا كما يظن بعض المسلمين.
الدليل السادس: وكانوا يجعلون النجوم شركاء لله ومنها الشعرى قال تعالى {وأنه هو رب الشعرى } قال ابن جرير :يقول تعالى ذكره: وأن ربك يا محمد هو رب الشعري، يعني بالشعرى: النجم الذي يسمى هذا الاسم، وهو نجم كان بعض أهل الجاهلية يعبده من دون الله.وقال الألوسي في تفسيره لهذه الآية : ومن العرب من كان يعّظمها ويعتقد تأثيرها في العالم ويزعمون أنها تقطع السماء عرضاً ،وسائر النجوم تقطعها طولاً ،ويتكلمون على المغيبات عند طلوعها ففي قوله تعالى : { وأنه هو رب } إشارة إلى نفي تأثيرها .انتهى كلام الألوسي .وقال القطان في تفسيره: {وأنه هو رب الشعرى } وقد نص بشكل خاص بأنه رب الشعرى اليمانية ( ألمع نجم في كوكبة الكلب الأكبر ، وألمع ما يرى من نجوم السماء ) - لأن بعض العرب كانوا يعبدونها . وكان قدماء المصريين يعبدونها أيضا ، لأن ظهورها في جهة الشرق نحو منتصف شهر تموز قبل شروق الشمس - يتفق مع زمن الفيضان في مصر الوسطى ، وهو أهم حادث في العام ، وابتداء عام جديد .انتهى وهذا واضح فيما ذكرت من اعتقادهم مشاركتها لله في أفعاله فيعبدونها لأجل ذلك .
يتبع إن شاء الله تعالى

الموثق
مشرف

عدد الرسائل : 258
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى