آداب الفتوى ..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

آداب الفتوى ..

مُساهمة من طرف الموثق في السبت ديسمبر 18, 2010 6:26 am

الشيخ محمد اليعقوبي

أيها الإخوة المؤمنون

.. وعدنا أن نتحدث عن آداب الفتوى، ولا شك ولا ريب أن هذا الموضوع من أهم المواضيع للعامة والعلماء، للمفتين والمستفتين على السواء، والفتوى هي بيان حكم الله تبارك وتعالى في المسألة، مِن: (أفتى – يفتي) والفعل الثلاثي منه (فَتَوَ) و (فَتَيَ)، ولذلك اشتُقتْ منه: (الفَتوى) و (الفُتيا)، فهو واوي ويائي، فيقال: (فتوى) بالواو ويقال: (فتيا) بالياء.

وقد جاء هذا الفعل في كتاب الله تبارك وتعالى، ففي قصة سيدنا يوسف نقرأ قول الله تبارك وتعالى حكاية عن قوم يوسف

] يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ [ [يوسف،46] أفتنا أي: بيِّن لنا، فأفتى أي: بيَّن، بيَّنَ المُشكِلَ، بيَّنَ الغامضَ، كشف الوجهَ، شرح الأمرَ، ومنه بيان حكم الله تعالى، وقد يكون لغير المشكل أيضاً، وأكثر ما جاء في القرآن جاء بذكر الألف والسين والتاء، أي: للطلب، استفتى: أي طلب بيان الحكم، أو طلب بيان الجواب، لأن الألف والسين والتاء في اللغة العربية للطلب، (غفر) أي: محا الذنب، (استغفر) أي: طلب المغفرة من الله تبارك وتعالى، (طَعِم) إذا أكل، (استطعم) إذا طلب الطعام من غيره، فاستفتى أي: طلب بيان الفتوى أو طلب بيان الحكم أو شرح المشكل، وهذا هو حال عامة الناس من السؤَّال الذين يسألون عن الغامض ويريدون بيان المشكِل، وقد جاء في القرآن الكريم: ] يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ [ [النساء،176] ] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء [ [النساء،127] وقد جاء في القرآن الكريم من هذا أشياء واسعة، ] فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا [ [الصافات،11] وهذا ليس بمشكِل إطلاقاً، وذكره العلماء مثالاً للسؤال عن غير المشكل، وبيان أن الفتوى تكون عن المشكل وعن غيره، لأن الإنسان قد يسأل المفتي عن أمر مشكل حقاً، كأن تكون قضية إرث فيها شيء من الرد أو العول، وفيها كثرة الورثة، وصعوبة تقسيم الأنصباء على الورثة، وقد يسأل عن حكم السهو في الصلاة، فهذا سؤال وهذا سؤال، لأن المشكل يختلف أمره فيما بين الناس بحسب مراتب الناس في العلم، فهذا هو أصل معنى الفتوى في اللغة، أي: معرفة حكم الله تبارك وتعالى وكشف المشكل من الأحكام.

والواجب على كل عبد من عباد الله قبل أن يأتي أمراً أو يذره أن يعلم حكم الله عز وجل فيه، كما جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى

(إن لله تعالى في كل حادثة حكماً يجب على المكلف طلبه) فإذا تعلم يجلس في حلق العلم فيتعلم، فلا يقال فيه مستفت، لأنه متعلم طالب علم، يمسك بمتن الغاية والتقريب في فقه الإمام الشافعي فيتعلم أحكام العبادات، يمسك بمختصر الإمام الخرقي في مذهب الإمام أحمد بن حنبل فيتعلم أحكام العبادات والمعاملات، يمسك بكتاب من كتب التجويد فيتعلم أحكام تلاوة القرآن الكريم، يمسك ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة للإمام الطحاوي أو أم البراهين للإمام السنوسي فيعلم ما يجب لله تعالى من الصفات وما يجوز عليه وما يستحيل عليه سبحانه وتعالى، فهو عندئذ طالب علم، وإذا سأل شرح كلمة أو بيان مشكل فهو سائل لا مستفت في مثل هذه الصورة، أما إذا لم يكن طالب علم وعرضت له قضية من القضايا وجاء إلى العالم يسأله فهو مستفت، وفعله استفتاء، أي طلب الفتوى، وطلب الفتوى أصلاً إنما يكون في بيان الحلال والحرام، في بيان أحكام الفقه من العبادات والمعاملات، لكنه قد يكون أيضاً لبيان بعض المشكل في التفسير في الحديث في أركان العقيدة مثلاً، لذلك فإن الإمام السيوطي جمع كتاباً سماه: (الحاوي للفتاوى) طبع في مجلدين، فيه فتاوى في العبادات وفتاوى في المعاملات، فيه فتاوى في النكاح والطلاق، فيه فتاوى في الربا، وفيه فتاوى في تفسير القرآن، وفيه فتاوى في الحديث النبوي الشريف، وفيه فتاوى في التصوف في التزكية والإحسان، لأن الفتوى إجابة للسؤال وشرح وبيان، فمن هذا الباب جعلت عامة لكل ما يحتاج إليه الإنسان.

أيها الإخوة

.. الناس في هذا العصر انصرفوا عن الاستفتاء وطلب الفتوى لحل المشكلات، وأنا أحببت أن أخصص خطبة لآداب الفتوى -مع أن القلة ممن يحضر خطبة الجمعة هم من أهل الفتوى- حثاً للناس على طلب الفتوى مع بيان آداب الفتوى لعل الله تبارك وتعالى يهيئ لطلاب العلم ممن يستمعون لهذه الخطب في المسجد وعبر الإنترنت التمسك بآداب الفتوى، لكني أقصد أولاً -أيها الإخوة- إلى حث الناس على الاستفتاء، الاستفتاء غير السؤال مشافهة، الاستفتاء كتابة السؤال خطاً وتقديمه للمفتي أو للشيخ لطلب بيان الحكم، ثم أخذ الجواب خطاً وجعله مرجعاً في المسألة في المشكلة في المعضلة، وكثيراً ما يتنازع الشركاء في قضايا مالية، فيذهب كل واحد من الشركاء إلى أحد المشايخ يسأله شفاهاً، فيحمل عنه الجواب، ويتضاد جواب هذا الشيخ مع جواب ذلك الشيخ، مع أنه لا خلاف في الشرع، الحكم واحد غالباً في المسائل المتفق عليها بين الأئمة، فلماذا يختلف قول هذا مع قول ذاك؟ لاختلاف رواية الإنسان لنص السؤال، أو لاختلاف حفظ الإنسان للجواب، يقول العلماء: من قواعد العلم (الجواب على قدر السؤال) فقد تسأل سؤالاً فتأخذ الجواب عليه، فتذهب إلى شيخ آخر فتصوغ السؤال بصيغة أخرى فيكون الجواب مختلفاً، فتقول: لماذا هذا أفتاني وقال هذا حلال، وذاك أفتاني وقال هذا حرام؟!.. أنت لم تلاحظ اختلاف صيغة السؤال، وهذا غالباً ما يكون في الأمور المالية وفي الأمور المتعلقة بالألفاظ كالطلاق مثلاً أو كالأيمان والنذور، فباختلاف الألفاظ تختلف الأحكام.

لذلك أنا أحث الناس على الاستفتاء، أي

: كتابة السؤال، أن يكتب الإنسان السؤال وأن يقدمه إلى الشيخ أو أن يذهب إلى المفتي إذا كانت المسألة متنازعاً فيها، كأن تكون مسألة رضاع مثلاً أو تكون مسألة طلاق، هل طُلقتْ زوجته منه أو لم تطلق؟ فهذا ربما يختلف المشايخ في الفتوى في حقه، فهذا يذهب إلى المفتي، في كل مدينة من مدن الإسلام مفت يفتي، قد نصبه الحاكم مفتياً لقطع النزاع فيما بين الناس في الفتوى إذا اختلف العلماء في الأحكام.. فتقدم إليه السؤال مكتوباً، وعند ذلك تأخذ الجواب فتجعله حجةً فيما بينك وبين الله تعالى، وتجعله حجةً فيما بينك وبين الخصوم إن اختلفت مع شركائك أو اختلفت مع أهلك في مسألة من المسائل.

كتابة الفتوى أيها الإخوة، يقول العلماء

: (العلم صيد والكتابة قيده) ولو أنك تسأل كل جمعة سؤالاً مكتوباً وتطلب جواباً خطياً لاشتغل الناس بعلم الفقه، ولكان عندك بعد عشر سنين مئة فتوى أو مئتا فتوى، ربما تصلح أن تكون كتاباً ينشر يصدر للناس يكون فيه العلم والخير، أي جمِّع هذه الأسئلة والأجوبة والفتاوى، ولذلك كان المفتون قديماً يجمعون هذه الفتاوى، تسمى كتب الفتوى في مذهب الإمام أبي حنيفة في مذهب الإمام الشافعي في مذهب الإمام أحمد في مذهب الإمام مالك، عند المالكية تسمى: (كتب النوازل) لأنها جواب عن حكم الله تعالى في مسألة نزلت، فتسمى: (نازلة) ويسمون الفقيه المفتي في مثل هذه الحالة (الفقيه النوازلي) نسبة إلى الجمع على غير قياس، لأنه يفتي فيما نزل بالمسلمين من القضايا، وهناك مجموعات من الفتاوى تبلغ مجلدات واسعة، ربما تجد بعض الفتاوى كفتاوى ابن تيمية رحمه الله تعالى في سبعة وثلاثين جزءاً، وهي فتاوى في التفسير وفتاوى في الحديث وفتاوى في العقيدة وفتاوى في الفقه وفتاوى في قضايا مختلفة.. مع أنه ينبغي للإنسان أن يحذر من أخطاء ابن تيمية في العقيدة لمخالفته لجماهير علماء المسلمين من الأشاعرة والماتريدية.. ترجع إلى فتاوى مفتي فاس كالشيخ محمد المهدي الوزَّاني رحمه الله تعالى (المعيار الجديد) وهي في ثلاثة عشر مجلداً، ربما تصل إلى نحو عشرة آلاف صفحة، تجدون فيها تقييدات وتوثيقاً للمسائل التي عرضت عليه والأجوبة، وهذه مراجع للمفتين مراجع للعلماء، كأنها في حق القضاة أقضية سابقة، تعرفون القضاة يرجعون إلى سجلات القضاء السابقة والأحكام التي صدرت من قبل للمراجعة، وكذلك علماء الفقه يرجعون إلى كتب الفتوى.

وقد وضع العلماء لكتابة الفتوى آداباً، يقولون إذا أراد الإنسان أن يسأل سؤالاً يقول

: بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، ما قول علماء الدين؟.. ما حكم الله تبارك وتعالى في كذا وكذا؟.. ما قولكم في كذا؟.. يعني يسأل ويشير في السؤال إلى أنه يريد معرفة حكم الله عز وجل، وإن كان (ما قولكم في كذا) يعني: (ما قول الشرع في كذا)، لأن المفتي -كما يقول العلماء- مخبر عن الله تبارك وتعالى في الحكم.
وهنا قاعدة

-أتوجه بهذا الكلام للطلبة للمفتين- إذا سئل المفتي سؤالاً لا يجوز له أن يفتي برأيه.. في هذا العصر ليس هناك مفت مجتهد، قديماً في العصور الأولى كان يشترط في المفتي أن يكون مجتهداً، وعلى ذلك كلام الأئمة قديماً أئمة الأصول كالإمام الشاطبي ومَن قبله، كان المفتون في العصور الأولى من أهل الاجتهاد، أي ينظرون في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينظرون في أقوال الصحابة، عندهم أهلية الاجتهاد، أي: العلوم الضرورية للمجتهد، أن يحيط بتفسير آيات الأحكام، أن يحيط بتفسير أحاديث الأحكام، أن يحيط بأقوال الصحابة، أن يعرف اللغة العربية، وأن يعرف الخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ وغير ذلك مما يحتاج إليه.. وأن يعرف حروف المعاني وما يتوارد على معنى واحد، وما يحل محل حرف آخر من الحروف والأدوات، فالعلوم التي يحتاج إليها المجتهد -كما يقول الإمام ابن جزي الكلبي في كتابه التفسير في أوله- ثمانية عشر علماً.

قديماً كان المفتون من أهل الاجتهاد، وكان لا يعين مفت إلا إذا كان مجتهداً، أو لا يتصدر مفت للفتوى إلا إذا كان مجتهداً، وتعيين المفتين بهذه الرسوم إنما حدث في القرون المتأخرة، وأما قديماً فكان يفتي كل من بلغ رتبة الاجتهاد، الآن المفتون من أهل التقليد لا من أهل الاجتهاد، لأنهم لم يصلوا إلى تلك الرتبة، مع أن باب الاجتهاد مفتوح، وقد اجتهد العلماء، لكن لا اجتهاد في مورد النص، أي

: قضايا أحكام الصلاة وأحكام الوضوء وأحكام الطهارات وأحكام المعاملات مما اجتهد فيه العلماء وجاءت فيه النصوص لا اجتهاد فيه، الاجتهاد فيه تحصيل حاصل، وإنما يكون الاجتهاد في المسائل المستجدة للمسلمين، كقضايا زرع الأعضاء ونقل الأعضاء.. هذا مما يجتهد فيه المجتهدون في هذا العصر، وهناك جماعة هم أهلٌ للاجتهاد في هذه المسائل الخاصة، كقضايا المصارف الإسلامية وما أنتجته الآن البنوك الإسلامية من منتجات إسلامية أو سلع إسلامية، كالمرابحة والبيع مع الإيجار مثلاً، أو الإجارة المنتهية بالتمليك، وأمثال هذا.. هذا مما يبحث فيه الفقهاء في هذا العصر، وهناك ثلة هم أهل للاجتهاد والنظر في هذه المسائل، لكن قضايا الربا لا اجتهاد فيها، فُرِغ منها، قضايا الصلاة والصيام لا اجتهاد فيها، فُرِغ منها، لا اجتهاد في مورد النص، أي: لا يستطيع أن يأتي مجتهد في هذا العصر ويخالف الفقهاء قبله في أركان الصلاة ويقول: قد اجتهدت وتبين لي أن أركان الصلاة كذا وكذا.. وأن يخالف أبا حنيفة والشافعي وأحمد ومالكاً، أو في أركان الوضوء أو في وقت الصيام.. هذه الأمور قد فرغ منها، الاجتهاد إنما يكون فيما يستجد للناس من الأحكام والقضايا، مما لم يكن أو لم يحدث في العصور السابقة.

فيجب على المفتي

-أيها الإخوة- إذاً إذا كان مقلداً أن يبين حكم الله تبارك وتعالى، أي: لا رأيه هو، أي: أن ينقل بأمانة وصدق، فإذا جئت إلى الشيخ تسأله: ما تقول؟ هذا حلال أو حرام؟ ينبغي أن ينقل قول الفقهاء ممن كان قبله، قول الإمام أبي حنيفة، قول الإمام الشافعي، قول الإمام أحمد، قول الإمام مالك، ممن يعتد بقوله، لا أن يفتيك برأيه هو، وما أدرانا؟ ربما كان أحمق! ربما كان جاهلاً! ربما كان بنصف عقل! ربما كان لم ينظر ربما لم يطلع.. نحن لا نريد رأيه، وإنما نريد حكم الشرع، حكم الله تبارك وتعالى في المسألة، فالمفتي أمين على الشرع، المفتي مخبر عن الله تبارك وتعالى، بل يقول بعض العلماء: المفتي نائب يقف بينك وبين الله تبارك وتعالى، يقول لك: هذا حلال وهذا حرام، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه الإمام الدارمي: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) وكان السلف الصالح قديماً يتورعون عن الإجابة على كل سؤال، كان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يُسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ويأبى الجواب عن تسع مسائل، الإمام مالك رحمه الله تعالى سئل عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع مسائل، وقال في ست وثلاثين: لا أدري لا أدري لا أدري.. حتى الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى يقول في حكمه: (من رأيتموه محدِّثاً بكل ما سمع ومجيباً عن كل ما سئل، فاستدل بذلك على جهله) يجب أن يتورع وأن يقف موقفاً ما وأن يقول: أبحث، أراجع، لا أدري، أراجع المسألة.. عند ذلك تعرف أنه يتحرى وأنه يريد الصواب وأنه لا يتسرع.

من أجل ذلك

-أيها الإخوة- أنا أحذر الناس من الاعتماد على الإذاعات والفضائيات في الاستفتاء، لأن الذي يقف خلف الشاشة (الكاميرا) ويحدث الملايين من الناس ربما يستحيي أن يقول: (لا أدري) والناس في هذا العصر إذا سمعوا الشيخ يقول: (لا أدري) يقولون: جاهل! قديماً كانوا إذا سمعوا الشيخ يقول: (لا أدري) يقولون: هذا عالم، يعني هذا وَرِع، هذا يتحرى، يفتي بما يعلم ويراجع فيما لا يعلم، يسأل غيره، يراجع الكتب، يبحث فيما لا يعلم، الآن نادراً ما نرى على الشاشات رجلاً يقول: (لا أدري) كأنه يستحيي أن ينسب إلى الجهل أمام ملايين الناس، فيتسرع في الفتوى، وربما يُعرض عليه السؤال ولم يمر عليه من قبل فيفتي خطأ، ويصر على خطئه بعد ذلك، لأنه لا يريد أن يتهمه الناس بالخطأ، ملايين الناس يشاهدونه يقولون: أخطأ فلان، فلان جاهل، صحح له طالب من الطلاب، أحد المستمعين اتصل وصحح له الفتوى!.. لذلك يتسرع الناس خلف الشاشات ممن يتصدر للفتوى.

ومعظم من يتصدر للفتوى خلف الشاشات ليس من أهل الفتوى، لذلك إذا أردت أيها الأخ المسلم أن تستفتي في حكم الله تبارك وتعالى أحداً فاختر العالم الفقيه الورع، العالم الفقيه أي

: المتمكن في الفقه العالم الورع، أما (العالم الفقيه) فقد يكون الإنسان فصيحاً ولا يكون فقيهاً، وقد يكون عالماً بالتفسير تفسير كتاب الله عز وجل ولا يكون فقيهاً، وقد يكون محدثاً ولا يكون فقيهاً، وقد يكون أديباً شاعراً متكلماً نظاراً ولا يكون فقيهاً، الفقه اختصاص، يدرس الإنسان الفقه ويتوسع فيه وفي معرفة تفاصيل الأحكام حتى يعرف به، فاسأل فقيهاً، ولا يكفي أن تجد صفة الفقه في الإنسان بل لابد من الورع، من يخاف الله عز وجل، من يتحرى لدينك، من يخاف عليك أن تهوي في نار جهنم، من يخاف عليك أن تأكل الحرام أو تقع فيه، لا من يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
صارت الفتوى في العصور المتأخرة يتقرب بها الناس للحكام والسلاطين، فيفتون بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى، لكن بقيت بقية كانت في العصور السابقة، كانت هناك ثلة من أهل العلم والفتوى ممن أدركناهم، كانوا يجهرون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم، ومن هؤلاء ينبغي أن نذكر خاتمة المفتين في بلاد الشام العلامة الطبيب الشيخ محمداً أبا اليسر عابدين، توفي قبل ثلاثين سنة، هذا الرجل عاش أربعة وتسعين سنة، وكان علامة فقيهاً مفتياً ابن مفت، أبوه الشيخ محمد أبو الخير عابدين، كان مفتي الشام، وجده أحمد عابدين كان أمين الفتوى، وعم جده محمد أمين بن عابدين صاحب حاشية ابن عابدين

: (رد المحتار على الدر المختار) أعظم كتاب في فقه أبي حنيفة، هذا الرجل كان يجهر بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، لما سأله أحد الحكام في عصره (جمال عبد الناصر) لما أصدر قرارات التأميم، سأله أن يفتي بجواز التأميم، فأبى، وقال: التأميم حرام في الإسلام (المصادرة) ، يعني ليس في الإسلام عقوبة تسمى مصادرة الأموال، وقد بينتُ هذا في خطب قديمة، وقلت: أبواب العقوبات في الإسلام -أي القانون الجزائي والجنائي في الإسلام- أبواب مفصلة، وليس في الإسلام عقوبة تسمى: (مصادرة المال)، فلما سأله حاكم ذلك العصر أن يفتي بغير ما أنزل الله وأن يبيح التأميم -أي مصادرة الأملاك والأموال- أبى، فأقاله.. أقيل من منصبه وبقي عزيزاً، وبقي عالماً، وصان دينه، كان هناك من يقف ولا يخاف في الله لومة لائم، ولا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، يخاف على دين الناس، يخاف أن يحرف دين الله تبارك وتعالى، يخاف أن يُسأل يوم القيامة وهو يقف بين يدي الله تبارك وتعالى.
فمثل هؤلاء المفتين يُسألون، ومثل هؤلاء العلماء والمفتين يرجع إليهم، وفي كل عصر وفي كل حي جماعة من هؤلاء بفضل الله تبارك وتعالى، والله تبارك وتعالى لا يخلي الأمة من هؤلاء العلماء الثقات، العلماء ورثة الأنبياء، هؤلاء هم الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم

: ] إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [ [فاطر،28] وهؤلاء هم الذين قال النبي عليه الصلاة والسلام فيهم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه كيد الكائدين وتحريف الغالين) فإذا أردت أن تستفتي في دين الله عز وجل فاسأل فقيهاً متمكناً في الحكم، وأن يكون ورعاً تقياً يخشى عليك أن تقع في الحرام أو تقع في نار جهنم، واكتب السؤال وخذ الجواب مكتوباً، يكون لك وثيقة فيما بينك وبين الله وحجة فيما بينك وبين الناس.
أيها الإخوة

.. ينبغي لنا أن نرجع لإحياء طلب العلم، ولإحياء الورع، ولإحياء هذه الأصول التي كانت عند آبائنا، كان الإنسان قديماً يتوقف في المال إذا أتاه ويبقيه شهراً يسأل العلماء، هل يتصرف فيه أو لا يتصرف، كان الإنسان إذا أراد أن يأتي حادثة أو حكماً كان يقوم من الليل من الفجر ويطرق أبواب العلماء ويأتي إلى المساجد يسأل المشايخ هل يجوز هذا أو لا يجوز إذا حدث له حكم، الناس الآن ماذا جرى لهم؟ يستشيرون المحامين من أجل القضايا القانونية، يستشيرون الاختصاصيين بالضرائب والمحاسبين من أجل الميزانيات ومن أجل الهروب من الضرائب العامة، ولكنهم قلَّما يرجعون إلى استشارة العلماء واستفتاء أهل العلم.

ينبغي أن أختم

-أيها الإخوة- هذه الخطبة بحديث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أخرجه الإمام أحمد في مسنده والدارمي في سننه التي تمسى المسند، وأشار الإمام النووي إلى أنه حديث حسن، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (الإثم ما حاك في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتَوك) بعض الناس يحتال لأخذ فتوى في قضية من القضايا المالية، وهو يعلم أنه قد زَيَّن السؤالَ للمفتي (للشيخ) ، وأنه قد احتال في سرقة الجواب، ويريد أكل ذلك المال حلالاً، هنا نطبق قول النبي صلى الله عليه وآله سلم، إذا قال لك الشيخ: هذا حلال، وأنت تعلم في حقيقة نفسك أنك لم تذكر جميع وجوه السؤال للشيخ، ولم تشرح له كل المسألة، وأن في نفسك منه شيئاً، فطَبِّق هذا الحديث النبوي: (الإثم ما حاك في الصدر) والله كل واحد منا -أيها الإخوة- يعلم الحلال من الحرام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) لكن الطمع في الدنيا، الطمع في المال هو الذي يحمل الإنسان على الاحتيال في طلب الفتوى، فهذا وإن أفتاك المفتي ينبغي لك أن تتورع، وأن تنظر: (الإثم ما حاك في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، إنه سميع قريب مجيب، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه….

الموثق
مشرف

عدد الرسائل : 258
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى