ابن تيمية خالف علماء الأمة ورد المجاز فى القرآن والسنة 1/2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ابن تيمية خالف علماء الأمة ورد المجاز فى القرآن والسنة 1/2

مُساهمة من طرف الموثق في الجمعة ديسمبر 17, 2010 5:18 pm

ابن تيمية خالف علماء الأمة

ورد المجاز فى القرآن والسنة 1/2

** يحاول بعض الناس أن يقولوا: إن الإضافات الواردة فى القرآن إلى الله سبحانه وتعالى تراد على الحقيقة اللغوية والتى تقتضى التجسيم والعياذ بالله.

ويسلكون لإثبات ذلك مسالك منها أنهم يدعون أن القرآن ليس فيه مجاز وكل معانيه على الحقيقة. فما صحة هذا المسلك. وهل هناك مجاز فى القرآن والسنة ولغة العرب؟.

الجواب

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد: فالقرآن كلام الله U، المُتَعَبَّد بتلاوته، المُنَزَّل على سيدنا محمد (ص)، قال تعالى: )وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ( (الشعراء: 192 – 195)، فهو معجزة رسول الله (ص)، ولأن الزمن الذى وُلِدَ وبُعِثَ فيه النبى (ص) كان زمن الفصاحة والبلاغة والبيان، وجدنا أن معجزته (ص) جاءت من جنس ما نبغ فيه قومه – كما هو حال معجزات الرُّسل السابقين مع أقوامهم – فالعرب قد برعوا فى قرض الشعر وفى الفصاحة والبلاغة، حتى أنهم كانوا يعقدون فى سوق عكاظ مباريات أدبية يلقى فيها كل شاعر نتاجه الأدبى من الشعر والفنون الأدبية الأخرى، ويقوم النُّقَّاد باختيار القصائد الجيدة، ويتم تعليقها على الكعبة، كما هو الحال فى المعلَّقات.

وبعد نزول القرآن الكريم بلغة العرب، تحدَّى الله U الكفار بأن يأتوا بمثله، قال تعالى: )أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ( (الطور: 33، 34)، فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فعجزوا، قال تعالى: )أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ( هود: 13)، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا. قال تعالى: )وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ( (البقرة: 23).

وقد نزل القرآن بلغة العرب، وجاء على طرائقهم فى البيان والتعبير، فلم تُسْتَغْلَق عليهم عباراته الواضحة، بل أثَّرت فيهم تأثيرًا بالغًا، فكانوا يجدون له وقعًا فى القلوب، وقرعًا فى النفوس، يرهبهم ويحيرهم فلم يتمالكوا إلا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف، لذلك لم يحتج الصحابة ولا الذين أدركوا وحيه أن يسألوا النبى (ص) عن معانيه الواضحة الظاهرة المُشابهة لطرائق تعبيرهم، وإنما كانوا يسألون عن المُسْتَغْلِق عليهم فقط، ولو كان القرآن مُسْتَغْلِقًا على الأفهام، لادَّعى الكفار هذا؛ ليقللوا من شأنه، خاصة وهم فى موقف التحدى، ولكن هذا لم يحدث، فدل على معرفتهم لأسلوبه، وعدم إنكارهم له.

ومن طرائق العرب فى التعبير، استخدام التعبير بالمجاز، وهو: (الكلمة المستعملة فى غير ما وضعت له فى اصطلاح به التخاطب على وجه يصح مع قرينة عدم إرادته)([1]). فالقرينة تكون هى الصارف عن الحقيقة إلى المجاز، إذ اللفظ لا يدل على المعنى المجازى بنفسه دون قرينة، ومثال ذلك: استعمال لفظ (اليد) فى الدلالة على الإنعام، أو القوة.

وعرفه عبد القاهر الجرجانى بأنه هو: (كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه فى العقل لضرب من التأوُّل)([2]) ومثَّل له بقوله: نهارك صائم، وليلك قائم.

ومن الأحاديث النبوية التى استخدم فيها المجاز، قوله (ص): (لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصَّاع بالصاعين فإنى أخاف عليكم الرَّمَاء)([3])، فأراد بالصاع ما فيه بإطلاق المحل على الحالِّ.

وقد اتفق جمهور العلماء على أن القرآن الكريم قد استخدم أسلوب المجاز، ولم يشذ عن هذا إلا القليل – كما سنذكر – قال الإمام الشافعى 0: (إنما خاطب الله العرب بلسانهم على ما تعرف من معانيها وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها([4]) وأن فطرته أن يخاطب بالشىء منه عامًّا ظاهرًا يُراد به العام الظاهر ويستغنى بأول هذا منه عن آخره، وعامًّا ظاهرًا يُراد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعامًّا ظاهرًا يُراد به الخاص، وظاهر يعرف فى سياقه أنه يُرادُ به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه فى أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتبتدئ الشىء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشىء يبين آخر لفظها منه عن أوَّله، وتكلم بالشىء. تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها؛ لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها، وتُسمَّى الشىء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسمَّى بالاسم الواحد المعانى الكثيرة)([5]). فنجد أن ما ذكره الإمام الشافعى لا يخرج عن ما أطلق عليه بعد ذلك مصطلح المجاز.

وقال الإمام الغزالى: (القرآن يشتمل على المجاز، خلافًا لبعضهم، فنقول: المجاز اسم مشترك قد يُطلق على الباطل الذى لا حقيقة له، والقرآن مُنَزَّه عن ذلك، ولعله الذى أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز)([6]). وقال أيضًا: (المجاز ما استعمله العرب فى غير موضوعه، وهو ثلاثة أنواع. الأول: ما استُعير للشىء بسبب المُشابهة فى خاصيَّة مشهورة، كقولهم: للشجاع أسد، وللبليد حمار، فلو سُمِّىَ الأبخر أسدًا لم يجز؛ لأن البخر ليس مشهورًا فى حق الأسد. الثانى: الزيادة، كقوله تعالى: )لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ( (الشورى: 11)، فإن الكاف وُضعت للإفادة، فإذا استعملت على وجهٍ لا يفيد كان على خلاف الوضع. الثالث: النقصان الذى لا يُبطل التَّفهيم، كقوله U: )وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ( (يوسف: 82)، والمعنى: واسأل أهل القرية. وهذا النقصان اعتادته العرب فهو توسُّع وتجوُّز)([7]).

وقال ابن حزم: (لا يجوز استعمال مجاز إلا بعد وروده فى كتاب الله أو سُنَّة رسوله (ص))([8]). وقال الفراء عند تفسير قوله تعالى: )لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ( (آل عمران: 113)، فقال (السجود فى هذا الموضع اسم للصلاة لا للسجود، لأن التلاوة لا تكون فى السجود ولا فى الركوع)([9]).

فنجده قد صرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى المجازى.

وقال أبو يزيد القُرشى - وهو من أئمة اللغة - المتوفى سنة 170ﻫ: (وقد يدانى الشىءُ الشىءَ وليس من جنسه، ولا يُنْسَبُ إليه، ليعلم العامة قرب ما بينهما، وفى القرآن مثل ما فى كلام العرب من اللفظ المختلف، ومجاز المعانى)، ثم مثَّل بقول امرئ القيس:

قِفَا فَاسْأَلا الأَطْلالَ عـن أُمِّ مَالِكِ وهل تُخْبِرُ الأطلالُ غيرَ التَّهالُكِ

ثم قال: (فقد علم أن الأطلال لا تجيب إذا سُئلت، وإنما معناه: قفا فاسألا أهل الأطلال، وقال الله تعالى: )وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا( (يوسف: 82)، يعنى أهل القرية)([10]).

وقد أشار الخليل بن أحمد الفراهيدى - وهو من أئمة اللغة – إلى المجاز واستخدامه، حيث قال فى العين: (قال: [البائض] وهو ذكرٌ، فإن قال قائل: الذَّكر لا يبيض، قيل: هو فى البيض سبب؛ ولذلك جعله بائضًا، على قياس والدٍ بمعنى الأب، كذلك البائض، لأن الولد من الوالد والولد والبيض فى مذهبه شىء واحد)([11]).

وقال سيبويه: (وما جاء فى اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: )وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا( (يوسف: 82)، إنما يريد: أهل القرية، فاختصر، وعمل الفعل فى القرية كما كان عاملاً فى الأهل لو كان ها هنا)([12]).

فنلاحظ أن سيبويه بين أن الفعل (اسأل) قد عمل فى (القرية) التى حلت محل (أهل)، فكان حقُ الفعل (اسأل) أن يعمل فى الأهل لا فى القرية، ولا فى العير من حيث إنهما قرية وعير، والعلاقة فى الـ(القرية) المكانية، والعلاقة فى (العير) المجاورة أو المصاحبة.

وأبو عبيدة – صاحب كتاب مجاز القرآن([13])، كان من الذين أشاروا إلى المجاز ولم يصرحوا باسمه، قال: )وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا( (الأنعام: 6) مجاز السماء ها هنا مجاز المطر، يُقال: ما زلنا فى سماء، أى: فى مطر، وما زلنا نطأُ السماء، أى: أثر المطر، وأنَّى أخذتكم هذه السماء؟، ومجاز (أرسلنا): أنزلنا وأمطرنا([14]).

ولا نريد أن نطيل بذكر أقوال العلماء – سواء من ذكروا المصطلح، أو من ذكروا معناه قبل تسميته وإطلاق هذا الاسم عليه – فما ذكرناه فيه الكفاية للدلالة على استخدامهم للمجاز فى القرآن وفى السنة وفى اللغة.

وللحديث بقية فى العدد القادم إن شاء الله تعالى

([1]) بغية الإيضاح: 3/78.

([2]) أسرار البلاغة ص 348.

([3]) رواه أحمد فى مسنده 2/109، ومجمع الزوائد للهيثمى 4/113.

([4]) وهذا كان يُطلق على ما سُمِّىَ بعد ذلك بمصطلح المجاز.

([5]) الرسالة للإمام الشافعى، تحقيق أحمد شاكر: ص 51، 52.

([6]) المستصفى للغزالى ص 84.

([7]) المستصفى للغزالى ص 186.

([8]) البحر المحيط للزركشى 3/50.

([9]) معانى القرآن للفراء: 1/231.

([10]) جمهرة أشعار العرب ص 11.

([11]) العين للخليل بن أحمد، مادة (العين والشين) 1/79.

([12]) الكتاب لسيبويه 1/212.

([13]) مجاز القرآن هنا بمعنى: معانيه، ولا يراد به مصطلح المجاز نفسه.

([14]) مجاز القرآن لأبى عبيدة 1/279.

http://www.islamwattan.org/tkno/moharm32/538-zid-kngnjj-ozbje-bgzb-zbggjj-zhsp-zbgmzt-jem.html




الموثق
مشرف

عدد الرسائل : 258
تاريخ التسجيل : 07/12/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى