بمناسبة قرب عاشوراء محاضرة بعنوان الحسين شهيداً للحبيب الجفري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بمناسبة قرب عاشوراء محاضرة بعنوان الحسين شهيداً للحبيب الجفري

مُساهمة من طرف ابن عباس القادري في الخميس ديسمبر 24, 2009 10:58 pm


بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدِلله الْقَوِيّ سُلْطَانِهْ * الوَاضِحُ بُرْهَانَهْ * المَبْسُوطِ فِي الوُجُودِ كَرَمَهُ وَإِحْسَانِه * تَعَالَى مَجْدُهُ وَعَظُمَ شَانُهْ * خَلَقَ الْخَلْقَ لِحِكْمَه * وَطَوَى عَلَيْهَا عِلْمَهْ * وَبَسَطَ لَهُمْ مِنْ فَائِضْ المِنَّةْ * مَا جَرَتْ بِهِ فِي أَقْدَارِهِ الْقِسْمَة * فَأْرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَشْرَفَ خَلْقِهِ وَأَجَلَّ عَبِيدِهِ رَحَمْة * تَعَلَّقَتْ إِرَادَتِهِ الأَزَلِيَّةْ بِخَلْقِ هَذَا العَبْدْ المَحْبُوبْ * فَانْتَشَرَتْ آثَارُ شَرَفِهِ فِي عَوَالِمِ الشَّهَادَة وَالغُيُوبْ * فَمَا أَجَلَّ هَذَا المَنَّ الَّذِي تَكَرَّمَ بِهِ المَنَّانْ * وَمَا أَعْظَمَ هَذَا الْفَضْلِ الَّذِي بَرَزَ مِنْ حَضْرَةِ الْإِحْسَانْ * صُورَةً كَامِلَةً ظَهَرَتْ فِي هَيْكَلٍ مَحْمُودْ * فَتَعَطّرَتْ بِوُجُودِهَا أَكْنَافْ الوُجُودْ * وَطَرَّزَتْ بُرْدَ العَوَالِمِ بِطِرَازِ التَكْرِيمْ ؛ اللّهُمَّ صَلِّي وَسَلِّمْ أَفْضَلَ الصَلاةِ وَالتَسْلِيمْ عَلَى سَيّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الرَؤُوفِ الرَحِيمْ ؛ أمّا بعد :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
_______________

هذه مقتطفات مفرّغة وجدتها في احدى المواقع وهي جزء من موضوع طويل فيه كلمات من محاضرات متنوعّة لسيّدنا الشيخ العلامة الحبيب علي الجفري حفظه الله وأكرمه .


والمقتطف منه محاضرة ليست كأيّما محاضرة ؛ بل هي من أفضل ما سمعت في هذا الزمان ممّا يهيّم القلب حبًّا في رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وآل بيته الكرام عليهم الرضوان والسلام ؛ وهي محاضرة شهيرة أظن أنّها كانت بحضور السيد محمّد علوي المالكي ألقيت في مصر بأحد مساجدها ؛ وهي مسجّلة باسم (الحسين شهيدًا) يسّر الله إتمام تفريغها وحسن نشرها ؛ وهي كما أسلفت محاضرة مرتجلة ؛ وما كان كذلك قوي احتمال وجود أخطاء العزو والألفاظ فيها ؛ وقد وجدت شيئًا من هذا ؛ فليتنبّه .


:: استشهاد سيدنا الحسين عليه السلام ::


:: مقتطفات من محاضرة الشيخ الحبيب علي الجفري (الحسين شهيدًا) ::

وهي مرئية على هذا الرابط :


استشهاد الحسين عليه السلام - الحبيب علي ال&#15#



vحقيقة الحب لله وفي الله ومن الله وإلى الله وعلى الله ، ليذكر القلب بساعات بل ليال بل أعوام قد مرت على الأئمة الأطهار ، كان أحدهم يتلفت يمنة ويسرة يبحث عن صادق في الولاء ، عن معنى تأدية لحب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهم الأكابر ، فلا يجد أمامه إلا صاحب نصرة قلبية لا يستطيع إبرازها في الهيئة الصورية .

vتلفت الحسين وماء الفرات يترقرق أمام عينيه ، وآل بيتيه يصيحون ويضجون من العطش ، والماء في متناول يده ، ويحال بينه وبينه . لم يكن هذا لهوان منه على الله تعالى ، ولكنها أثمان الاصطفاء والاجتباء والمصافاة .

vخرج الحسين متوجها من مكة المكرمة بعد أن خرج من مدينة جده صلى الله عليه وسلم ، قاصدا البيت الحرام ، ومستخيرا ربه ذا الجلال والإكرام . بعد أن وصلت إليه 17000 توقيع بالبيعة ، وعزم وتحرك وقد التف حوله فتيان بني هاشم ، ومعهم عصابة من أنصارهم ومحبيهم ، ومن ورائهم كان النساء والأطفال ، فلقيه عبد الله بن عباس – رضي الله عنه – وقال له : يا بن بنت رسول الله . أحق ما بلغني عن عزمك بالخروج إلى تلك الجهات ؟ قال : نعم ، فقال : أما وإنهم قد خذلوا أباك وأخاك وما أراهم إلا خاذلوك .. فقال : أما وإني أعلم أن القوم خاذلي .. قال فعلام تخرج يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إن القوم لن يتركوني ، وإنهم قاتليي ، وأكره أن تنتهك حرمة الحرم من أجلي ..

vيقول الحسين : حدثني أبي – علي بن أبي طالب – أن كبشا ينتهك به الحرم ، وأكره أن أكون هذا الكبش ؛ وإنها لمقالة يهتز لها العرش .

vمشى الإمام ومعه الركب ، فلقيه الفرزدق – محب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم – فقال له الإمام الحسين : يا أبا فراس ، كيف خلفت الناس من ورائك ؟ فقال : على الخبير وقعت .. إنّي أصف لك حالهم .. يا بن بنت رسول الله ، لقد خلفتهم وقلوبهم معك وسيوفهم عليك .. فقال الإمام : الله المستعان .

vتلقاه جيش قوامه 3000 جندي مدجج بالسلاح ، وسايروا ركبه ليمنعوه الوصول إلى الكوفة .

vجاء الخبر أن مسلم بن عقيل قد استشهد ، فاجتمع ببني هاشم في ظلمة الليل ، وعلى خطوات لا تبعد كثيرا منهم كان جيش الأعداء الذين خانوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وفيهم أعداد ممن أرسلوا التوقيع بالبيعة للإمام الحسين ، ولكنها الدنيا إذا حلت أوحلت .

vاجتمع بفتيان بني هاشم ، وقال : ماذا ترون ؟ فقال أبناء مسلم بن عقيل : أنت إمامنا .. فقال الحسين : إذا نموت على ما مات عليه مسلم . لكنه أدركته الشفقة على شباب هم البدور في ظلم الليالي ، من عترة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فيهم أخوه العباس حامل رايته ، وفيهم أولاده علي الأكبر وعلي الأوسط وعلي زين العابدين ، وأبو بكر وعمر وعبد الله الرضيع ، وفيهم أبناء أخيه الحسن ، وفيهم أبناء أخته السيدة زينت ، الذين كان أبوهم عبد الله بن جعفر . فالتفت إليهم وقال : يا بني ، إن القوم لا يريدونكم ولكن يريدونني . والليل ساتر فدونكم ، وارجعوا يغفر الله تعالى لكم . فالتفت إليه أخوه العباس بن علي : وقال ، ما الذي أسمع منك ، أتريد أن نرجع إلى المدينة ، فيتلقانا أهلها ونقول لهم : لقد خلفنا وراءنا سيدنا يلقى القتل وجئنا فرحين بالحياة ، لا وعزة الله لا يصلون إليك وفينا عرق ينبض . فبايعوه على الموت في ليلتهم .

vثم دعا الأنصار ، وقال : قد صحبتمونا على أن القوم بايعونا ، والليل ساتر فدونكم الطريق إلى المدينة . فقال أحدهم : أتريدنا معاشر الأنصار أن نرجع إلى المدينة ونقول قد خلفنا ورائنا أبناء رسول الله يقتّلونا أمامنا .. لا وعزّة الله لا يصلون إليك وفينا عرقٌ ينبض .

vوالعجب لو قلت لكم أنه لما أتى وقت الصلاة صلوا جميعا خلف الإمام الحسين .

vولما جن الليل اختلى الإمام الحسين بربه ، وقام في خلوته يصلي ويتوجه إلى مولاه ، وكأني بذلك القلب الطاهر يتلقى فائضات قيام جده يوم بدر وهو يقول : يا حي يا قيوم . وصلى الفجر بالقوم جماعة ، ولبس جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت معه ، وكانت قد قدمت ، وجعلها مما يلي بدنه . فنظرت إليه السيدة زينب ، وقالت له : يا حسين ، ما لك لبست جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلتها مما يلي بدنك ؟ فقال : إن القوم قد خانوا عهد الله ، وما أراهم إلا قاتلي وسالبي ثوبي الذي علي ، وإنا آل بيت لا تظهر عوراتنا على الخلق ، فجعلت الجبة مما يلي بدني حتى إذا سلبوا ثيابي الجديدة لم يكشفوا عورتي .

vأخذت الحسين سنة من النوم ، فرفع رأسه إلى السماء وهو يحوقل ، فقال : رأيت جدي وجدك رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة ، وقال لي : يا حسين الليلة تفطر عندنا .، وكان الإمام صائما لأنه كان في يوم عاشوراء . فبكت السيدة زينب : وقالت : واحسيناه ، واحسيناه . فقال : ترفقي بنفسك يا أختاه .. ثم قام وصف الصف ، فجاءه فتيان الأنصار يشتكون بني هاشم ، وقالوا : إن فتيان بني هاشم قد أخذوا الصف الأول وتركوا لنا الصف الثاني ، ثم قالوا : إن العدو إذا هجموا على بني هاشم في الصف الأول وقتلوهم ، لم يكن لهم حاجة في قتلنا نحن في الصف الثاني ، فلا تحرمنا الجنة اليوم معك يا حسين ، ومعكم يا آل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم . فبكى الإمام الحسين وقال : لا عليكم إن تركتم لهم الصف الأول هذا اليوم . ولما وقف الإمام بين الصفين ، نظر نظرة إلى من خانوا عهد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . فسالت دمعته وفاضت ، ولمحته السيدة زينب وقالت : ما الذي أرى على وجهك ؟ أتجزع من الموت ، إنك تقدم على أخيك الحسن ، وعلى أبيك علي ، وعلى أمك الزهراء ، وعلى جدك المصطفى صلى الله عليه وسلم . فالتفت إليها : وقال : إليك عني ، فليس الحسين بالموت يجزع !! فقال : إني نظرت إلى القوم فوجدتهم يدخلون النار بقتلهم إيانا بغير وجه حق .. ووددت لو يدخلون الجنة .. أنصت أنصت يتكلم الإمام الحسين عن من ؟ .. لا يتكلّم عن أنصاره ومحبّيه .. يتكلّم عن أعدائه ومبغضيه .. أريد حياتهم ويريدون موتي .

vواصطفت الصفوف ، وبدأت المعركة ، وخاض الحسين رحاها ، وبدأ الأعداء يتخللون الصفوف إلى الأمام ، وبدأت سيوفهم تنال من ذلك الجسد الطاهر . كان أول من استأذن أن يقاتل بين يدي الحسين مدافعا عنه ابنه علي الأكبر ، وقال : ائذن لي يا أبتاه .. فقال : دونك يا بني .. وقاتل حتى لقي الله تعالى شهيدا ، فنظر إلى ولده ودمك قد سفك على الأرض ، فقبل ولده : وقال اللهم فاشهد ، وتوالى الرجال بين يدي الحسين واحدا تلو الآخر ، وكان من بينهم رجلا خادما للإمام الحسين ، فاقترب منه وقال له : ائذن لي أن أقاتل بين يديك . فقال : إنما صحبتنا على العافية ، والقوم لم يقصدوك فارجع إلى أهلك .. فبكى ذلك الرجل وقال : لقد تركتموني ألعق قصاعكم فضلة طعامكم ، فلا تحرموني أن أرد الجنة على جدكم المصطفى صلى الله عليه وسلم معكم .

vاحتدم القتال ، وكان من أبناء سيدنا الحسن الذين شاركوا في المعركة مع عمهم شاب فتى يافعا في الرابعة عشر من عمره ، كان من أشبه آل البيت وجها برسول الله صلى الله عليه وسلم . فانقطع شعذ نعله في المعركة ، انكب على شعذ النعل يصلحه ، فضربه أشقى القوم فصرخ قائلا : واعماه . فأسرع إلى ابن أخيه ، ووجده على الأرض والدماء تسيل من رأسه . فأخذ رأسه ووضعها على فخذه : وقال : يعز على عمك أن تناديه يا عماه فلا يجيبك ، ولكن موعدنا الحوض عند جدك محمد صلى الله عليه وسلم .

vاشتدت المعركة وقتل من كان من آل البيت ، وقتل من كان من الأنصار . وكانت في خيمة النساء السيدة سكينة بنت الحسين ، وكانت قد جمع الله تعالى لها من الأدب والورع والذكر والإقبال على الله تعالى ، وكانت أحب بنات أبيها إلى قلب أبيها ، وأكثرهن دلالا عليه ، فكان إذا كر الحسين رجع إلى خيمة النساء متفقدا ، إذا سمعت صهيل خيل الإمام الحسين تخرج إلى خارج الخيمة تطمئن أباها على النساء التي في الخيمة .

vقتل العباس بن علي ، وقتل أبناء الحسين واحدا تلو الآخر ، ما خلا الإمام علي زين العابدين الذي كان مريضا في خيمة عمته السيدة زينب . وكان هناك رضيع : عبد الله بن الحسين ، صائحا من شدة العطش . فقال الحسين : اتقوا الله في هذا الرضيع ، فأخذ أحد الأشقياء سهما رمى به عبد الله بن الحسين الرضيع ، فنظر الإمام الحسين وقد امتلأت يده بدم ابنه ، فرفع الدم إلى السماء وقال : اللهم فاشهد ، ونظر إلى الرجل الذي منع ابنه الرضيع من شربة الماء : وقال : أظماك الله ، أظمأك الله فصاح الرجل من ساعته اسقوني اسقوني ، فكان يشرب الماء ويشرب الماء فلا يزداد إلا ظمأ وعطشا ، فانقدت بطنه ومات من ذلك المرض .

vلما بقي الإمام وحده يقاتل ، التفت علي بن الحسين فرأى أباه وحيدا ، والكل مجندل على الأرض ، فقال للسيدة زينب : يا عمة ، ناوليني السيف والعصا .. وقال : السيف أقاتل به ، والعصا أتوكأ عليها . فخرج الإمام علي زين العابدين الذي لم يتجاوز العشرين على خلاف في سنه ، وأخذ يسحب قدميه إلى خارج الخيمة وهو لا يكاد يحمل سيفه بيده ، فالتفت الإمام الحسين وقال : يا زينب ، ردي عليا حتى لا ينقطع نسلنا من على الأرض . فردته إلى الخيمة ، وأحاط القوم بفارسهم ، ولما رآهم يضربون الفرس تارة في رجلها وتارة في فخذها أشفق على فرسها ، فترجل من على الفرس وأطلقها ، وقام الفارس على قدميه ، وأحاط به أهل الغدر والمكر ، وأخذوا ينالونه بسيوفه .

vلما كثرت الجراح بذلك الإمام ، حمل عليهم حملة قوية ، ثم أحاطوا به مرة قوية ، فضربه أحدهم على رجله ، وأخذ يقاتل وهو جاثيا على ركبتيه ، وجاء أشقى القوم : شمر بن ذي الجوشن ، فضرب على رأسه فسقط الإمام على الأرض شهيدًا .. وعزّة الذي أعلى منارهم . أنّ صورة سقوطه إلى الأرض هي عين مظهرهوان الدنيا على الله .. وأنّها لا تساوي جناح بعوضة .

vجاء أشقى القوم فقطع أشرف رأس في ذلك العصر والوجود ، فخرج الفرس يجري راكضا إلى الخيام ، فلما سمعت السيدة سكينة صهيل ذلكم الحصان ، خرجت فرحة لتطمئن أبها ، فخرجت ووجدت الفرس بلا الفارس ، فنظرت ووجدت رأس الإمام في جهة وبدنه في أخرى ،فصاحت واحسيناه ، واحسيناه ، واأبتاه .. فضجت نساء آل البيت من الخيام . وجاءت السيدة زينب ترد السيدة سكينة إلى خيمتها .

vوأقبل الأعداء وأحاطوا بخيام آل البيت ، وأرادوا الدخول ومخدرات آل البيت في الخيام . فصاحت السيدة زينب : ألم يبق فيكم ذو مروءة . أما وإن دخولكم على النساء في الخيام أمر تخشى منه العرب قبل الإسلام . فدخل مجموعة وقيدوا الإمام علي بن الحسين ، ورفعوه على الجمل ، وأخذوا رأس الإمام الحسين على رمح وضعوها فعلقوها ورؤوس من معها من الأنصار . وأمر الخيول أن تمر على الجسد الشريف وهو يلبس جبة جده . والله إن هذا عين العز لو فقهنا .

vوسيق آل البيت نساؤهم أسارى ، وعلي بن الحسين على الجمل مقيدا ، ونساء آل البيت يحطن به باكيات شاكيات ، يسرن على أقدامهن حتى وصلن إلى الكوفة .

vعرض الموكب على ابن زياد ، ولما رأى السيدة زينب قال : الحمد لله الذي نصرنا عليكم وأيدنا . فقالت : الحمد لله الذي أتم علينا النعمة بشهادة رجالنا . فنظر إلى علي بن الحسين . وأمر بقتله ، فوثبت السيدة زينب ، وضمته إلى صدرها وقالت : إما أن تقتلني معه وإما أن تتركنا سويا . فالتفت إليه زيد وكان يعهد الإمام الحسين أمام عينيه يلعب على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم أن صاحب هذا الرأس كان يمص لسان جده صلى الله عليه وسلم فيروى من ريقه .. فبكى وقال : تعستم بقتلكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

vأرسل بعدها الركب من آل البيت إلى الشام وكان الناس هناك قد غرروا ، وقيل لهم ، يقدم عليكم جماعة من الخوارج قد نصر الله أمير المؤمنين عليهم . فدخل الموكب يشق الصفوف بين الناس، وكان أحد المحبين للعترة المطهرة من بين الناس ، ينظر وهو يحترق ولا يملك إلا ألف دينار من الذهب كانت معه ، فاقترب من الجمل الذي عليه الإمام علي زين العابدين . وقال : بأبي أنت يا علي بن الحسين ، أنا محب لكم لله ولقرابتكم من رسول الله ، ولكني لا أملك لكم اليوم شيئا إلا هذه الألف دينار ، فهل تأمرني اليوم بشيء أصنعه ؟ فقال : نعم بارك الله فيك ادفع هذه الدينار إلى حملة رؤوس أبي وإخواني وآل بيتي ، وقل لهم : تحولوا عن النساء إلى جهة أخرى لينشغل الناس بالنظر إلى الرؤوس عن النظر إلى نسائنا .

vمر الموكب بمسجد ، فخرج شيخ كبير في السن يمسك المصحف بيده فنظر إلى الإمام علي زين العابدين وقال له : الحمد لله الذي نظر أمير المؤمنين عليكم أيها الخوارج . فالتفت إليه الإمام وعرف أن الرجل مسكين ، وقال : ما الذي بيدك يا عم ؟ فقال الشيخ : هذا كتاب الله ، ما لكم وكتاب الله تعالى يا خوراج ؟ فقال الإمام علي : أتلوت فيه قول الله تعالى : " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " ؟ قال : نعم ، فقال : نحن القربى .. نحن آل البيت .. قال : أنتم ؟ .. قال : نعم ؛ أقرأت قول الله تعالى " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهير " .. قال : نعم .. قال : نحن أهل البيت .. فقال : لعنة الله على يزيد لعنة الله على يزيد ؛ لقد قال لنا أنّكم من الخوارج .

vدخل الموكب على ساحة قصر يزيد ، فجيء بالنساء وعلي بن الحسين فوضع أمامه ، ودخلت الرؤوس – أشرف رؤوس على وجه الأرض – وجيء برأس الإمام الحسين ، وهي في طبق فوضعت أمام يزيد ، وأخذ بقضيب له يحرك شفة الإمام الحسين ويقول : أما وقد كان حسن الهيئة والوجه . فصاح أنس بن مالك : وقال : ارفع قضيبك يا يزيد ، فو الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل هذا الفم . فقام أنس قائلا : تعستم ورب البيت ، قتلتم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليتم عليكم يزيدا ، ألا فلا تهنؤون بسعادة في العيش أبدا .

vأخرج أهل البيت متوجهين بعد ذلك إلى المدينة المنورة ، وأمر بالرأس الشريفة أن تطوف بالبلدان حتى تدفن بعسقلان . فخرجت المدينة ، ونزلت ببيت أبيها في المدينة .

vولقد بعث والي المدينة إلى يزيد قائلا : إن المدينة لا تسعني وزينب . إما أنا وإما هي في المدينة . فجاء الأمر بأن أخرجوا زينبا من المدينة ، من التي تخرج ؟ زينب ، ومن أين من بلاد أبيها وجدها ، والذي يخرجها حثالة القوم . فبكت وقالت : أأخرج من بلد أبي وجدي ؟ فقال لها : عبد الله بن عباس : ارحلي إلى مصر فلا تثريب عليك فإن فيها قوما يحبونكم لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولن تري ضيما وأنت بين ظهرانيهم .

vفخرجت إلى مصر إلى أن لقيت الله تعالى عز وجل .

vيعلم الإمام علي بن الحسين أحوال الذين يقابلونهم . ومرت السنوات ولم يغب عن ذهنه أن مهمته لم تنته باستشهاد عمه وآل البيت ، وأنهم هم أصحاب المهمة في كل عصر ومكان . فقام ينشر علم آبائه وأجداده . وجند يزيد لم ينتهوا في عصر من العصور ، كما أن أنصار آل البيت لم ينته في عصر من العصور .

vعندما أقبل علي زين العابدين إلى مكة طائفا ، انقسم الناس إلى فرقين ، وقبل الحجر الأسود . فقال هشام بن عبد الملك : من هذا الرجل الذي أجله الناس ونسونا ؟ اهتز وقال : لا أعرف . فقام الفرزدق الذي نصح للإمام الحسين ، وقال : ولكني أعرفه يا هشام ، وأنشأ قصيدته قائلا :


هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم
يغضى حياء ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم


vوبلغ الخبر إلى علي بن الحسين ، فقال : ماذا يوجد عندنا في مالنا فقالوا : لا يوجد إلى 12000 درهم من الفضة ، فقال : خذوها إلى الفضة . وقد أبى الفرزدق أخذها وقال : إني لم أمتدحك طلبا للمال ، وإنما مدحتكم لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : علمنا أنك لم تمدحنا للمال ، ولكنا آل بيت إذا أعطينا لم نرجع في عطيتنا .

vوظل رأس الإمام الحسين مدفونا في عسقلان حتى جاءت الحروب الصليبية . فأرسل الوزير الفاطمي في مصر 30000 دينار من الذهب إلى والي عسقلان قائلا : أرسل لنا برأسه لنضعه في مكان حصين لا ينبشه أحد . فلما رفعوا الرأٍس الشريف وجدوها تقطر دما ، بعد مئات من السنين ، وكأنها قطعت الساعة ، اللون لون الدم والريح ريح المسك . وحملت إلى مصر ، وخرج خليفة مصر حافيا على قدميه إلى سيناء يستقبل الرأس الشريف وغسلوها على خشبة ، ثم وضعت في صندوق ، ووضعت في أحد قصور الفاطميين ، وأقيم عليه المشهد الموجود الآن .

vولم تنته إلى هذا الحد مآسي آل البيت . السيد محمد النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن ، تتبعوه في مدينة جده وقتلوه عند منطقة تسمى : أحجار الزيت .

vإن منهج البيت الذي تلقوه عن جدهم صلى الله عليه وسلم أن هديهم في الأمة هو نشر العلم والهدى بغير ذبح ولا ترويع . أخلاقهم وأحوالهم كانت تدل الخلق على الخالق . أسلمت قبائل البربر على يد إدريس بن عبد الله بن المحض ، فولوه عليهم .


والله الموفق وهو يهدي السبيل .

ابن عباس القادري
مدير

عدد الرسائل : 176
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al7ewar.net/forum

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى